مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
202
تفسير مقتنيات الدرر
المعنى : قاتلوا من قرب منكم من الكفّار الأقرب منهم فالأقرب في النسب والدار . قيل : إنّ هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين كافّة ثمّ إنّها نسخت بقوله : « قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً » ولكنّ المحقّقون أنكروا هذا النسخ وقالوا : هذه الآية بيان الأصلح والأصوب وهو أن يبتدأ من الأقرب فالأقرب منتقلا إلى الأبعد فالأبعد ، ألا ترى أنّ أمر الدعوة وقع على هذا الترتيب ؟ قال تعالى : « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ » « 1 » وأمر الغزوات وقع على هذا المنهاج لأنّه حارب قومه ثمّ انتقل منهم إلى غزو سائر العرب ثمّ انتقل منهم إلى غزو الشام ، والمسلمون لمّا فرغوا من أمر الشام دخلوا العراق ثمّ إنّ مقابلة الكلّ دفعة واحدة متعذّرة ولمّا تساوى الكلّ في وجوب القتال معهم لما فيهم من الكفر وامتنع الجميع وجب الترجيح والقرب مرجّح ظاهر كما في الدعوة وسائر الواجبات كالنهي عن المنكر مثلا فالابتداء بالحاضر أولى من الذهاب إلى البلاد البعيدة . ثمّ إنّ النفقات في القريب أقلّ من الأبعد ، والمجاورين من الكفّار لدار الإسلام إمّا أن يكونوا أقوياء أو ضعفاء فإن كانوا أقوياء كان إيذاؤهم وتعرّضهم لدار الإسلام أشدّ وأكثر ، وإن كانوا ضعفاء كان استيلاء المسلمين عليهم أسهل وحصول عزّ الإسلام بسبب انكسارهم أقرب وأيسر فكان الابتداء بهم أولى وإذا اجتمع واجبان وكان أحدهما أيسر حصولا وجب تقديمه وهذا الحكم جار في جميع الموارد لأنّ الأقرب سهل التناول أما ترى أنّ الأعرابيّ لمّا جلس على المائدة وكان يمدّ يده إلى الجوانب في المائدة الجوانب البعيدة قال صلى اللَّه عليه وآله له : كلّ ممّا يليك . فإن قيل : ربّما كان التخطَّي من الأقرب إلى الأبعد أصلح قلنا : ذاك منفصل بدليل منفصل والمصالح مبنيّة على ما هو أكثر . قوله : * ( [ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ] ) * فيها ثلاث لغات بفتح الغين والكسر والضمّ ، أي يجدون الكفّار منكم شجاعة وشدّة ، والغلظة ضدّ الرأفة لأنّ في الغلظة أثرا في الزجر والمنع ، ثم إنّ الأمر في هذا الباب ليس على سبيل الاطَّراد بل يحتاج تارة إلى الرفق واللطف وأخرى إلى العنف فقوله : « وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً » يدلّ على تعليل الغلظة و
--> ( 1 ) الشعراء : 214 .